يبدو أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تحتاج إلى صغية أخرى حتى تنتهي, فمذكرة التفاهم بين الطرفين انتهت صلاحيتها بحسب ما قاله الرئيس الأمريكي شخصيا, ويبدوأننا سنشهد جولة جديدة من الحرب لكنها هذه المرة ستكون مختلفة وأخيرة,ولا تقبل القسمة على اثنين.
لا أستبعد أن تكون مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران قد أنتجتها تفاهمات سرية لتأجيل المواجهة بعض الوقت, لكن المواجهة ستعود ومع الأسف ستعود عسكرية, فلا بديل عن الحرب لحسم هذا الصراع, إيران تضغط بورقة مضيق هرمز بعدما شهد العالم كله تضررا بغلق المضيق وتُكرر أنه حتى بعد انتهاء الحرب لن يعود الوضع في المضيق كالذي كان سائداً فيما قبلها, و ترفض واشنطن هذا الكلام وبالطبع ستستأنف ضرباتها على إيران وستعاود حصار موانيها.
إن آجلا أوعاجلا حتما ستنتهي الحرب, لكن السؤال الذي يطرح نفسه ما الذي ستخلفه هذه الحرب بعد انتهائها على النظام الإقليمي؟ أعتقد أن البعد الأمني للمنطقة ستكون له الأولوية, فالمنطقة دخلت في مرحلة انهيارالأمن القديم دون قيام أمن جديد، مع اهتزاز الثقة في الوعود الأمريكية, أتصور أنها ستكون لحظة إعادة رسم لقواعد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وتقييم مواقع النفوذ لدى الفاعلين السياسيين الكبار, وستفرض رهانات الأمن والطاقة والنفوذ السياسي نفسها على المعادلة, العالم كله الآن يتساءل من سيكتب قواعد اللعبة في الشرق الأوسط بعد انتهاء هذه المواجهة وما أحدثته من شرخ عميق في أساسات الأمن والاستقرار في الخليج؟، وما خلفته من ضرر على الاقتصاد العالمي, فإعادة بناء منظومة أمنية موثوقة ومستدامة مطلبا مشتركا لدول المنطقة، وموضوعا مركزيا ليس في النقاشات الإقليمية فحسب ولكن في النقاشات العالمية, اللاعبون القدامى في النظام العالمي يتمسكون بمواقعهم واللاعبون الجدد يريدون رقما في المعادلة .
في تصوري أن شكل النظام الإقليمي بعد انتهاء هذه الحرب لن يخرج عن واحد من سيناريوهات ثلاثة والتي رغم تباينها تتقاطع في هدف واحد وهو منع حرب شاملة، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وحماية أسواق الطاقة وتأمين سلاسل التوريد.. السيناريو الأول "أمريكي بامتياز" حيث ستسعى واشنطن إلى توسيع اتفاقات أبراهام ودمج إسرائيل في المنظومة الإقليمية, مع إبقاء إيران تحت المراقبة, وتكبيلها بقيود جديدة وهذا السيناريو سيثير جدلا حول حدود التطبيع مع إسرائيل، ومركزية القضية الفلسطينية, أما السيناريو الثاني فسيكون إقليمي خالص بمعنى أن دول الإقليم ستعبرعن نفسها وتحدد أهدافها ومسارها الجديد والذي سترسمه -في رأيي- رباعية (السعودية ومصر وتركيا وباكستان) وسيعمل هذا المسار على التخفيف من "أمركة" المنطقة تدريجيا, وسيواجه تحديا رئيسيا حول الجهة التي ستتولى توفير الأمن حال تجدد الأزمات.
السيناريو الأخير في رأيي يقوم على الإدماج تحت الضبط، وستدعمه الصين, وسيتبنى فكرة خفض التصعيد مرتكزا على المصالحة السعودية الإيرانية, وسيواجه تحديات مرتبطة بدور الصين عالميا والقلق الأمريكي من التوغل الصيني, لكن يبقى هذا السيناريو هوالأقرب للتنفيذ لاسيما مع المصالحة السعودية الإيرانية التي رعتها بكين والتي تمنح الطرفين منصة لتخفيف التوتر وحماية البنى التحتية للطاقة وفتح قنوات للحوار حول ملفات مثل اليمن وأمن المضائق, ناهيك عن أنه يخدم مصالح متعددة، حيث ستخفف السعودية من مخاطر استهداف منشآتها الحيوية وتربط أمنها برؤيتها الاقتصادية، أما إيران فسيفتح لها باب للخروج من العزلة، والصين ستضمن أمن الطاقة واستقرار الممرات البحرية, ولكن هذا لايمنع أيضا من أن هذا السيناريو سيواجه تحديات أبرزها أن الصين لا توفر لدول المنطقة غطاء جويا ولا منظومات دفاع صاروخي ولاهيمنة بحرية، وبالتالي تبقى مساهمتها دبلوماسية بالأساس، قائمة على إعطاء الأطراف إطارا للحوار أكثر من تقديم ضمانات أمنية صلبة, وإيران من جانبها تدفع باتجاه إطار أمني إقليمي مستقل عن القوى الخارجية، بينما تتردد دول الخليج في قبول استبعاد الولايات المتحدة من المعادلة خوفا من غدر إيراني محتمل واستمرار السيطرة على مضيق هرمز, كما أن بكين لا تملك إجبار إيران على ضبط وكلائها ولا على قبول تفتيش صارم أو تغيير سلوكها في مضيق هرمز، ولا اتصور أن تتمكن الصين من أن تكون بديلا عن المظلة الأمنية الأمريكية
الخلاصة أن شكل المعادلة الإقليمية برمتها -لاسيما الأمنية- حتما ستتغير وستأخذ الشكل الذي ينال أكبر قدر من التوافق بين الفاعلين السياسيين, ولا أستبعد أيضا أن تكون هناك تفاهمات سرية..